باريس - نضال حمادة
ليس خافيا على متابعي السياسة الفرنسية منذ عامين، التصعيد المدروس والمضبوط الذي تمارسه باريس في منطقة الشرق الأوسط وخصوصا في كل ما له علاقة بإيران وملفها النووي، وقد وصل هذا التصعيد إلى مستوى يفوق مزايدة في حدته المواقف الأميركية، ومحابيا للموقف الإسرائيلي بشكل شبه تام.
غير أن التصعيد الفرنسي في جنوب لبنان كان مفاجئاً إلى حد ما خصوصاً في هذا الوقت بالذات نظرا لحساسية الموقف في هذه المنطقة فضلا عن ضعف موقف الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الانتخابي، وتحذيره لرئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو عدم القيام بأي عمل عسكري دون ابلاغ فرنسا لتأمين سلامة جنودها العاملين ضمن قوات الطوارىء الدولية جنوبي لبنان.
بعض المراقبين في العاصمة الفرنسية أعاد سبب التحرك الفرنسي الأخير في جنوب لبنان إلى عوامل داخلية وأخرى خارجية، أما الداخلية فهي :
ـ عودة دومينيك دوفيلبان للساحة السياسية الفرنسية، وإنشائه حزباً جديدا من شأنه أن يأخذ من شعبية ساركوزي وقاعدته الانتخابية في اليمين الفرنسي، حيث يقدر أن يأخذ دوفيلبان نسبة تقدر بعشرة بالمائة من أصوات ساركوزي، وهذه النسبة كافية لإسقاط الرئيس الفرنسي الحالي أمام أي مرشح اشتراكي.
ـ الكلام الجدي داخل اللوبي المؤيد لـ"إسرائيل" وفي وسائل الإعلام عن احتمال عودة دومينيك شتروسكان من أميركا حيث يشغل منصب رئيس البنك الدولي، وترشحه عن الحزب الاشتراكي في انتخابات العام (2012)، وقد ارتفعت بعض الأصوات في الحزب الاشتراكي منادية بعودة شتروسكان إلى فرنسا.
ـ الأزمة الاقتصادية العالمية التي انعكست على الاقتصاد الفرنسي بشكل كبير، وعدم قدرة ساركوزي على الإيفاء بوعوده الانتخابية خصوصا الاقتصادية منها، فضلا عن عدم قدرته على إقناع الأميركيين بالحاجة الفرنسية لبيع بعض أنواع الطائرات مثل (رافال) إلى دول الخليج بسبب الفيتو الأميركي على هذا الموضوع.
ـ حاجة ساركوزي لقوة اللوبي الإسرائيلي الإعلامية والمالية في فرنسا فضلا عن حاجته لدعم اليهود في أميركا للوصول لكرسي الحكم في فرنسا دون مشاكل مع البيت الأبيض.
ومع اقتناع ساركوزي وإدارته بأن الرئيس الأميركي باراك اوباما له يد في كل المشاكل المذكورة أعلاه، تأتي التصرفات الفرنسية في جنوب لبنان بمثابة تحذير لأوباما من أن الفرنسيين لديهم القدرة وأنهم موجودون في أماكن مثل الحدود اللبنانية الفلسطينية وهم على استعداد لعرقلة السياسة الأميركية الحالية الرافضة لأية حرب جديدة في المنطقة حتى تتوقف أميركا عن الدعاية لدومينيك شتروسكان في الموضوع الانتخابي.
من هنا يأتي التحرك الفرنسي الأخير في جنوب لبنان ليصب في خانة رسائل يريد الرئيس الفرنسي إيصالها لأوباما، مع فارق أن ساركوزي غير مستعد كما الحكومة في فرنسا لزج الجنود الفرنسيين في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولا تنفع سياسياً ولا استراتيجيا الطموح الفرنسي في عودة ميمونة إلى لبنان وعبره إلى المنطقة العربية بأسرها.
ولكن السوأل الكبير، يبقى إلى أي حد يمكن لباريس أن تذهب في تحركها اللبناني هذا؟ مصادر صحفية في باريس قالت لـ "الانتقاد" أن الخطوط الحمر الفرنسية موضوعة مسبقا لهذا التحرك، وهي تتلخص في عدم الدخول في صدام مسلح مع أية جهة في الجنوب اللبناني، والحفاظ على حياة الجنود الفرنسيين العاملين ضمن قوات اليونيفل. وحول إمكانية استمرار فرنسا بالمناورة في هذا الموضوع، قالت المصادر الصحفية الفرنسية أن لا شيء يضمن عدم حصول احتكاكات مع الأهالي في المستقبل، لكن فرنسا بدأت تخشى أكثر من ردود فعل المقاومة والأهالي خصوصا أن تحرك أهالي القرى جاء منظما وسريعا وحاسما لجهة توجيه رسالة مفادها أن مبدأ الصدام المسلح موجود في حال استمر الإصرار الفرنسي على التصرف بشكل غير مضبوط وفق ما ختمت به المصادر الفرنسية.









الصفحة الرئيسية
البحث في الموقع
التغطية الإخبارية
القائمة البريـدية
سجـــــــل الزوار
خدمــــــــة RSS
خدمــــــــة WAP