إعداد: علي شهاب

نال افتتاح المعلم السياحي الجهادي في منطقة مليتا جنوب لبنان اهتماما خاصا في مراكز الدراسات الغربية، نظرا لدلالات وجود هكذا مشروع على صعيد تشكيل الوعي وارادة المقاومة في سياق الصراع مع العدو الاسرائيلي. مجلة "فورين بوليسي" الرائدة نشرت تقريراً ميدانيا عن "مليتا" التي زارها الباحث في معهد واشنطن اندور تابلر مؤلف كتاب "في عرين الأسد: داخل الحرب الباردة الأمريكية مع سوريا تحت حكم الأسد".
---------
"على قمة تل تشرف على المنطقة التي احتلتها إسرائيل سابقاً في جنوب لبنان، بنى «حزب الله» ما أسمته الصحافة الدولية بـ "ديزني لاند" الحزب. إن مليتا، "المعلم السياحي للمقاومة"، هي نصب جديد لـ «حزب الله» مصمم لتخليد ذكرى حرب الحزب الطويلة ضد إسرائيل. وفي حين تجذب مليتا انتباه الجماهير، فإنها تمثل أيضاً إشارة أخرى إلى أن الردع الإسرائيلي في لبنان آخذ في التفكك.
وكمركز قيادة سابق لـ «حزب الله»، تقع مليتا على بعد 27 ميلاً (44 كيلومترا) جنوب شرق بيروت. ويقال إنها بُنيت بتكلفة قدرها أربعة ملايين دولار، وجذبت ما يزيد عن 130,000 زائر في الأيام العشرة الأولى بعد افتتاحها في 25 أيار/مايو المنصرم، وهي الذكرى السنوية العاشرة للإنسحاب الإسرائيلي من لبنان.
وقد هدف أبو هادي مرشدنا من قبل «حزب الله»/ الذي يستعمل نفس الأسم المستعار الذي يستخدمه الأمين العام لـ «الحزب» حسن نصر الله، إعطاء الزوار لمحة عن الحياة الخطرة المتعلقة بقتل جنود إسرائيليين.
وقد بدأت جولتنا في "الهاوية" وهي حفرة مليئة بالخوذات والأحذية والقنابل العنقودية والمركبات العسكرية المقلوبة التي كانت تابعة للإسرائيليين. وهناك دبابة إسرائيلية من نوع "ميركافا-4" جاثمة في مركز العرض، وتم ربط برج الدبابة بعقدة. وعندما صعدنا ممراً حلزونياً يشرف على المعروضات شاهدنا ضريحاً منقوشاً عليه رمز قوات «جيش الدفاع الإسرائيلي» وكلمة "الهاوية" مكتوبة بحروف عبرية كبيرة ومجسمة.
وقد أخبرنا مرشدنا أبو هادي أن مليتا كانت من وحي إلهام عماد مغنية، وهو الرجل الذي تعتقد الولايات المتحدة أنه كان العقل المدبر لتفجيرات الثكنات العسكرية لجنود مشاة البحرية الأمريكية والسفارة الأمريكية في بيروت عام 1983. وقد أسفر الهجوم على ثكنات سلاح البحرية الأمريكي عن مقتل 241 جندياً أمركياً، وكان أكبر حصاد للأرواح تكبدته قوات "المارينز" في يوم واحد منذ "معركة إيوو جيما". وقد أتُهم مغنية من قبل محكمة أمريكية باختطاف طائرة رحلة "تي. دبليو. أي." رقم 847 في حزيران/يونيو 1985 وقتل المسافر وغطاس البحرية روبرت ستيثم الذي رميت جثته على مدرج مطار بيروت. وقد لعب أيضاً دوراً رئيسياً في اختطاف صحفيين ودبلوماسيين وأكاديميين غربيين (وغيرهم) في لبنان في الفترة ما بين 1982 و 1990.
وبوصفه واحداً من أكثر رجال العالم المطلوبين، وبارعاً في التنكر كما قيل، كان «حزب الله» بالكاد يذكر اسم مغنية حتى اغتياله الغامض في شباط/فبراير 2008 في انفجار سيارة مفخخة في دمشق. أما الآن فيذكره الحزب في كل مناسبة. وقد أشار لنا أبو هادي قائلاً: "هذا هو توقيع مغنية"، مشيراً إلى علامة منحوتة على حجر ضخم عامودي أصفر اللون، أسمنتي، وطويل موضوع بصورة يبدو وكأن الحجر يقوم بإيقاف دبابة إسرائيلية. وفي الوقت الذي بدا فيه أبو هادي مهيباً ومعتداً بذاته، توقف للحظة من الصمت تلا بعدها صلاة قصيرة همساً. وقد تبّل كلامه المعسول بذكر أسم قائد المقاومة الراحل مما يثبت تأثيره على «حزب الله».
وفي الوقت الذي كنا ندور حول الممر وننزل إلى الهاوية، تأخرتُ خلف أبو هادي لالتقاط بعض الصور. ورأيت كيف تجمع الآباء والأمهات حول الممرات، يسحبون أطفالهم من هنا وهناك. وكان يبدو أن الكثير منهم من سكان جنوب لبنان بحسب ملابسهم ولهجاتهم. ومع ذلك، بدت أقلية كبيرة منهم أيضاً بأنها مسيحية، وهي شهادة للواقع العملي بأن تاريخ حرب العصابات التي يتبعها «حزب الله» ضد إسرائيل قد حصل على دعم «الحزب»، ذلك التأييد الذي يتجاوز الإنقسام الطائفي الحاد في لبنان. وقد تجمع الأطفال حول النصب التذكاري لمغنية وبسطوا أيديهم للمس الدبابة كما لو كانوا يحاولون تلميع برجها. وقد قالت أم لطفلها الرضيع، بينما كانت تدفع أمامها عربة الأطفال التي تحمله إلى أسفل الممر، "أنظر: المقاومة فقط هي التي ستحرر فلسطين من اليهود".
وكان "المسار"، وهو سلسلة من الخنادق والجحور التي تذكرنا بساحات المعارك في الحرب العالمية الأولى في فرنسا أو بلجيكا، المحطة الثانية في جولتنا. وقد دفع أبو هادي حشداً من الزوار بعيدا كي يرينا زاوية الصلاة التي كان يصلي فيها المؤسس المشارك والأمين العام لـ «حزب الله» عباس موسوي، الذي قتل في غارة جوية إسرائيلية عام 1992. وبجانب سجادة الصلاة والمصحف الخاصين بموسوي كانت هناك بندقيتان هجوم من نوع "أي. كي. 47" وما بدا أنها خوذة من زمن الحرب العالمية الثانية مشابهة لتلك التي كان يرتديها جنود مشاة البحرية عام 1983. وبما أن موسوي هو من الجيل الأكبر سناً في «حزب الله»، فإنه يعتبر "والد المقاومة" بسبب الساعات الطويلة التي قضاها مع المقاتلين في الخطوط الأمامية.
وبإمكان رؤية معروضات، في كل مكان في "مليتا"، تهدف إلى غرس الأخلاق القتالية الشجاعة لـ «حزب الله» في نفوس الزوار. وبخروجنا من الخندق دخلنا طريقاً صخرياً مظللاً بشجر البلوط، ورأينا صوراً لدمى ترتدين الزي العسكري الأخضر للتمويه وتصطفن على كلا جانبي الممر.
وصورت إحدى المعروضات محارباً يقطع سلكاً شائكاً بينما يقوم رفيقه بالتغطية من النيران؛ وأظهر عرض آخر مقاتلَيْن يستعدان لإطلاق صاروخ من عيار 120 مم. وبين الحين والآخر يتحرك صبي في سن المراهقة وبسرعة لكي يظهر في لقطة فوتوغرافية في المشهد.
بعد ذلك نزلنا في متاهة من الأنفاق، قام «حزب الله» بشقها في قمة التل الصخرية لـمليتا، حيث تُظهر المعروضات مراكز القيادة والمطابخ الميدانية ومخابئ الأسلحة. وقد رأينا صور قادة «حزب الله»، واقفون جنباً إلى جنب مع المرشد الأعلى السابق للجمهورية الإسلامية آية الله روح الله خميني والمرشد الأعلى الحالي آية الله علي خامنئي، وهي تزين الجدران الرمادية للسفينة الحربية الكبيرة. وقد كتب على إحدى الشعارات بشكل نقاط على النفق، "دمّنا هو الأقوى، والموت لإسرائيل".
ويشجع هذا المنتزه أيضاً الزوار على الإحتفال بالترسانة العسكرية لـ «حزب الله» القائمة في "حديقة الصواريخ" التابعة للحزب. ومن المعروض أيضاً صواريخ كاتيوشا تابعة لـ «حزب الله» من عيار 107 و 120 مم، التي كانت الآلاف منها قد أُمطرت شمال إسرائيل خلال حرب عام 2006. ولكن هناك أيضاً عدداً أكبر من الأسلحة المتقدمة في العرض، بما فيها صواريخ "تاو" أمريكية الصنع،وقواذف راجمات "آر. بي. جي. 29 إس"، وصواريخ "كورنيت إي." الموجهة المضادة للدبابات التي استخدمها «حزب الله» لتحطيم طوابير الدبابات الإسرائيلية عام 2006. وتستعرض العلامات الملونة مواصفات كل قطعة سلاح باللغتين العربية والانكليزية. وبخلاف ما يُعرض في معظم المتاحف في العالم العربي، يكاد يكون التدقيق الإملائي والنحوي للكلمات خالياً من الأخطاء.
ومع ذلك، ثمة شيء من بين المعروضات كان مفقوداً في مليتا، وهو أي وصف للفظائع الحقيقية للحرب. لقد كان الأكثر دموية من بين تلك المعروضات هي صورة لطبيب من «حزب الله» وهو يعالج مقاتلاً جريحاً. إن هذه النسخة من "المقاومة"، الخالية إلى حد كبير من أية علامة عن الكوارث، تنسجم بصورة جميلة مع المجموعة الكاملة عن قصص الحرب، التي يملكها أبو هادي، والتي تؤكد بسالة المقاتلين. وفي إحدى القصص كان المقاتل شجاعاً إلى درجة أنه بالفعل حفر قبره بنفسه قبل المعركة.
ومنذ انتهاء حرب عام 2006 بين إسرائيل ولبنان، أسفر قرار «حزب الله» عدم القيام بهجوم جديد وإعادة ملء مخابئ أسلحته بمساعدة وجود قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" عن قيام أهدأ فترة على طول الحدود اللبنانية الإسرائيلية على مدى عقود.
لكن مليتا ورد الفعل اللبناني المتحمس لها هما فقط أحدث إشارة على أن قوة الردع الإسرائيلية في لبنان آخذة في التدهور بسرعة. فالصدامات المتصاعدة هذا العام بين جنود "اليونيفيل" والقرويين الموالين لـ «حزب الله» في الجنوب اللبناني وقوة الفيتو الفعالة التي يتمتع بها «حزب الله» داخل الحكومة اللبنانية، إلى جانب التقارير الواسعة الإنتشار التي تفيد بأن سوريا ترسل أسلحة متطورة وبعيدة المدى إلى «حزب الله»، قد أثارت توترات وصلت إلى مستويات أعلى من أي وقت مضى، وتسببت في حرب كلامية بين «حزب الله» وإسرائيل، التي يمكن أن تؤدي في النهاية إلى نشوب حرب فعلية.
وعندما أوشكت رحلتنا على النهاية سلمَنا أبو هادي إلى الشيخ علي ضاهر، المشرف على هذا المنتزه، وقد تحدث ضاهر عن خطط «حزب الله» لبناء فنادق ومراكز مؤتمرات لجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم العربي. وتثبت الخطط التوسعية الطموحة لـ «حزب الله» والإهتمام الذي يوليه الحزب للأسس الأيديولوجية لقوته، بأنه يسعى إلى الحصول على مكاسب على المدى الطويل. وعندما سألتُ ضاهر عما إذا كان قلقا من أن حرباً أخرى يمكن أن تدمر خطط البناء التي يضعها «حزب الله»، هز الرجل كتفيه غير مبال وقال: "لو قصفونا بالقنابل فإننا ببساطة سوف نبني كل هذا من جديد. فالمقاومة تحتاج إلى الصبر".









الصفحة الرئيسية
البحث في الموقع
التغطية الإخبارية
القائمة البريـدية
سجـــــــل الزوار
خدمــــــــة RSS
خدمــــــــة WAP